الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              [ ص: 318 ] الوضوء مما مست النار

                                                                                                                                                                              اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم في الوضوء مما مست النار، فممن روي عنه أنه توضأ أو أمر بالوضوء منه: ابن عمر، وأبو طلحة عم أنس، [ وأنس ] بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وعائشة، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وأبو عزة - رجل يقال أن له صحبة.

                                                                                                                                                                              105 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه كان يتوضأ مما مست النار.

                                                                                                                                                                              106 - حدثنا يحيى بن محمد، عن مسدد، نا يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ أنه كان يتوضأ مما غيرت النار، ويحدث أن أبا طلحة كان يتوضأ مما غيرت النار [ ص: 319 ] .

                                                                                                                                                                              107 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أنا يزيد، أنا سليمان، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، قال: ما أبالي أكلت خبزا ولحما، ثم صليت ولم أتوضأ، أو لوثت يدي بفرثها ودمها، ثم صليت ولم أتوضأ.

                                                                                                                                                                              108 - حدثنا محمد بن علي، نا سعيد، نا إسماعيل بن إبراهيم، أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، [ قالت ]: توضؤوا مما مست النار.

                                                                                                                                                                              109 - حدثنا محمد بن علي، نا سعيد، نا إسماعيل بن إبراهيم، أنا معمر، عن الزهري، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، أنه قال: توضؤوا مما مست النار.

                                                                                                                                                                              110 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أنا يزيد، أنا سليمان، عن أبي قلابة، قال: رأيت أنس بن مالك جاء وهو خبيث النفس، وهو خارج من القصر، فقلت: ما شأنك؟ قال: "ومالي لا أكون خبيث النفس وقد خرجت من عند هؤلاء آنفا، وقد أكلوا خبزا ولحما، ثم قاموا إلى [ ص: 320 ] الصلاة ولم يتوضؤوا ، قلت: وما كنتم تفعلونه؟! قال: "لا" .

                                                                                                                                                                              وقد روي هذا القول عن: عمر بن عبد العزيز، وأبي مجلز، وأبي قلابة، ويحيى بن يعمر، والحسن، وأبي ميسرة، والزهري.

                                                                                                                                                                              ومن حجة بعض من قال هذا القول: الأخبار الثابتة عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالوضوء منه.

                                                                                                                                                                              111 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: حدثني ابن شهاب: أخبرني عمر بن عبد العزيز، أن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ أخبره، أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على ظهر المسجد، فقال أبو هريرة: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "توضؤوا مما مست النار" .

                                                                                                                                                                              حدثني علي، عن أبي عبيد، قوله [ فالثور ]: القطعة من الأقط، وجمعها أثوار.

                                                                                                                                                                              وممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوضوء مما مست النار: زيد بن ثابت، وأبو طلحة، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، [ ص: 321 ] وسهل بن الحنظلية، وسلمة بن وقش، وأم سلمة، وابن عمر، وعائشة، وأم حبيبة، وقد ذكرت أسانيدها في كتاب السنن.

                                                                                                                                                                              وأسقطت طائفة الوضوء مما مست النار، فممن كان لا يرى الوضوء مما مست النار: أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عباس، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وأبي بن كعب.

                                                                                                                                                                              112 - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج بن منهال، نا حماد، عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن أبا بكر، وعمر، أكلا خبزا ولحما، وصليا ولم يتوضيا.

                                                                                                                                                                              113 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: أكل أبو بكر الصديق كتف لحم أو ذراع، ثم قام فصلى ولم يتوضأ.

                                                                                                                                                                              114 - حدثنا علي بن عبد العزيز، عن القعنبي، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن أبان بن عثمان، أن عثمان بن عفان، "أكل خبزا ولحما، ثم تمضمض وغسل يديه، ثم مسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ" .

                                                                                                                                                                              [ ص: 322 ]

                                                                                                                                                                              115 - وحدثني محمد بن نصر، نا علي بن الحسن أبو الحسين، نا حماد بن سلمة، عن مسعر، عن ثوير مولى أبي جعدة، عن علي بن جعدة بن هبيرة، عن أبيه جعدة بن هبيرة، قال: أكلت مع علي ثريدا ولحما، ولم يتوضأ .

                                                                                                                                                                              [ ص: 323 ]

                                                                                                                                                                              116 - حدثنا سهل بن عمار، نا محمد بن عبيد، نا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: أتي عبد الله بقصعة، فأكل منها ثم تمضمض، ثم قام فصلى، ولم يغسل يده.

                                                                                                                                                                              117 - حدثنا إسحاق، أنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس [ يقول ]: إنما النار بركة، والله ما تحل من شيء ولا تحرمه، ولا وضوء مما مسه النار، [ و ] لا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما يخرج من الإنسان.

                                                                                                                                                                              118 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أنا يزيد بن هارون، أنا يحيى، أنه سأل عبد الله بن عامر بن ربيعة عن الرجل يتوضأ ثم يصيب من الطعام وقد مسته النار، هل يتوضأ؟ فقال: قد رأيت أبي يفعل ذلك ثم يصلي [ ص: 324 ] ولا يتوضأ. وكان أبوه من أصحاب بدر.

                                                                                                                                                                              119 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن أبي غالب، قال: كنت آكل مع أبي أمامة الثريد واللحم، ثم يصلي ولا يتوضأ.

                                                                                                                                                                              120 - وفي حديث معن، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، أن أنس بن مالك قدم من العراق، "فدخل عليه أبو طلحة وأبي بن كعب، فقرب إليهما طعاما قد مسته النار، فقام أبو طلحة وأبي فصليا ولم يتوضيا" .

                                                                                                                                                                              121 - وحدثونا عن [ بندار ] ، نا غندر، عن شعبة، عن الربيع بن [ قزيع ] ، قال: سمعت ابن عمر، يقول: ما أبالي أن آكل لحما وخلا، وأصلي ولا أتوضأ.

                                                                                                                                                                              [ ص: 325 ]

                                                                                                                                                                              122 - وحدثت عن أبي زرعة، نا إبراهيم بن موسى، نا ميسرة، حدثني الأوزاعي، عن حسان بن عطية، أن أبا الدرداء، كان لا يتوضأ مما غيرت النار.

                                                                                                                                                                              123 - وحدثت عن أبي زرعة، نا أبو ثابت محمد بن عبيد الله المديني، عن أنس بن عياض، عن يزيد، قال: كان سلمة صائما فأكل حيسا قبل الصلاة، ثم قام فصلى ولم يتوضأ.

                                                                                                                                                                              124 - وحدثني بعض أصحابنا، نا حمدان بن علي الوراق، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، قال: قال أيوب: "إذا بلغك اختلاف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر، فشد يدك به؛ فهو الحق وهو السنة" .

                                                                                                                                                                              125 - وسمعت محمد بن أحمد الثقفي، يقول: سمعت أبا هشام الرفاعي، يقول: سمعت يحيى بن آدم، يقول: ليس يحتاج مع قول رسول [ ص: 326 ] الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أحد، وإنما كان يقال عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر، ليعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عليه.

                                                                                                                                                                              وهذا قول مالك فيمن تبعه من أهل المدينة، والثوري فيمن وافقه من أهل العراق، وبه قال: الأوزاعي وأصحابه، وكذلك قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا أعلم اليوم بين أهل العلم اختلافا في ترك الوضوء مما مست النار، إلا الوضوء من لحوم الإبل خاصة. وقد ذكرت اختلافهم فيه.

                                                                                                                                                                              وقد احتج بعض من لا يرى الوضوء مما مست النار [ بأخبار ] ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دالة على ذلك.

                                                                                                                                                                              126 - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، نا [ ابن وهب ] [ ص: 327 ] أخبرني هشام بن سعد، ومالك ، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.

                                                                                                                                                                              127 - وحدثنا إبراهيم بن الحارث، ومحمد بن إسماعيل الصائغ، قالا: ثنا حجاج: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن يوسف، أن عطاء بن يسار، أخبره أن أم سلمة أخبرته؛ أنها قربت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا، فأكل منه ثم قام إلى الصلاة، ولم يتوضأ.

                                                                                                                                                                              والأخبار في هذا الباب تكثر، وقد ذكرتها في غير هذا الموضع.

                                                                                                                                                                              واحتج بعض من لقيته في ترك الوضوء مما مست النار بحديث محمد بن مسلمة.

                                                                                                                                                                              128 - ثنا محمد بن يحيى، أبنا عبد الرحمن بن المبارك العبشي، ثنا [ ص: 328 ] قريش بن حيان، عن يونس بن أبي خالدة، عن محمد بن مسلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل آخر أمريه خبزا ولحما، ثم صلى ولم يتوضأ.

                                                                                                                                                                              129 - وحدثني محمد بن إسماعيل، حدثني يعقوب، نا علي بن عياش، نا شعيب بن أبي حمزة، قال: حدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار.

                                                                                                                                                                              وقال بعضهم: والدليل على أن الرخصة هي الناسخة: اتفاق الخلفاء الراشدين المهديين أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي صلوات الله [ ص: 329 ] عليهم على ترك الوضوء [ منه ] ، وقد ثبت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي".

                                                                                                                                                                              ولا يجوز أن يسقط عنهم جميعا علم ما يحتاجون إليه في الليل والنهار، إذ مما لا بد للناس منه الأكل والشرب، ولو كان الأكل حدثا ينقض الطهارة ويوجب الوضوء لم يخف ذلك عليهم، ولم يذهب ذلك عليهم معرفة، وغير جائز أن يجهلوا ذلك.

                                                                                                                                                                              فإذا تطهر المرء فهو على طهارته إلا أن يدل كتاب، أو سنة لا معارض لها، أو إجماع على أن طهارته قد انتقضت، ولو لم يكن في هذا الباب من الحجج التي ذكرناها شيء؛ لكان الواجب إذا تعارضت الأخبار وتضادت الوقوف عن استعمالها.

                                                                                                                                                                              وقد حكي عن حماد بن سلمة أنه قال: إذا جاءك عن رجل حديثان مختلفان، لا تدري الناسخ من المنسوخ [ ولا ] الأول من الآخر؛ فلم يجئك عنه شيء.

                                                                                                                                                                              [ ص: 330 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية