الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر الوضوء بالنبيذ

                                                                                                                                                                              أجمع أهل العلم على أن الطهارة بالماء جائز.

                                                                                                                                                                              وأجمعوا على أن الاغتسال والوضوء لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ؛ فإنهم اختلفوا في الطهارة به عند فقد الماء، فقالت طائفة: لا يجوز الوضوء إلا بالماء خاصة، فإن لم يجد الماء تيمم، لا يجزئه غير ذلك، هذا مذهب مالك، وقال مالك: لا يتوضأ بالنبيذ ونحو ذلك، وكذلك قال: الشافعي، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل، ويعقوب، وكان الحسن يقول: لا يتوضأ بلبن ولا نبيذ.

                                                                                                                                                                              وفيه للحسن قول ثان، وهو أن لا بأس به، وكره عطاء الوضوء باللبن، وكره أبو العالية الاغتسال بالنبيذ.

                                                                                                                                                                              [ ص: 360 ] وروينا عن ابن عباس أنه سئل عن الوضوء باللبن، فقال: لا يتوضأ باللبن، إذا لم يجد الماء أحدكم فليتيمم بالصعيد.

                                                                                                                                                                              170 - حدثنا محمد بن نصر، نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على شريك عن [ مرزوق ] ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكر ما تقدم عنه.

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن علي، بإسناد لا يثبت، أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ، وبه قال الحسن والأوزاعي.

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: النبيذ وضوء لمن لا يجد الماء، روي هذا القول عن عكرمة.

                                                                                                                                                                              وقال إسحاق: إن ابتلي توضأ بالنبيذ حلوا، كما وصف أبو العالية: تمرات ألقيت في الماء حتى غير اللون، فهو أحب إلي من التيمم، وجمعهما أحب إلي.

                                                                                                                                                                              [ ص: 361 ]

                                                                                                                                                                              171 - حدثنا إسماعيل، نا أبو بكر، نا أبو معاوية، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بالنبيذ.

                                                                                                                                                                              وفيه قول رابع: قاله النعمان، لا يجزئ أن يتوضأ بشيء من الأشربة إلا بنبيذ التمر، وحكي عنه أنه قال: ليس له أن يتوضأ بنبيذ الزبيب، والعسل، ولا بأس بسائر الأنبذة، ووافقه زفر على مقالته.

                                                                                                                                                                              وقال محمد بن الحسن: يتوضأ به ثم يتيمم، وقول محمد هذا، قول خامس.

                                                                                                                                                                              وقد احتج بعض من يجيز الوضوء بالنبيذ بحديث رواه ابن مسعود، في إسناده مقال، فيه أنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن، فحضرت صلاة الفجر، فسألني، فقال: "معك وضوء؟" فقلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ. فقال: "تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ وصلى الفجر.

                                                                                                                                                                              172 - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله، عن سفيان، عن أبي فزارة العبسي، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبد الله بن مسعود.

                                                                                                                                                                              [ ص: 362 ] ودفع هذا الحديث غير واحد من أصحابنا، وقالوا: حديث ابن مسعود لا يثبت؛ لأن الذي رواه أبو زيد، وهو مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا بالسماع منه، ولا يجوز ترك ظاهر الكتاب، وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم لرواية رجل مجهول، مع أن علقمة قد أنكر أن يكون عبد الله كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن.

                                                                                                                                                                              173 - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا عمرو بن عون، نا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: "لم أكن ليلة الجن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وددت أني كنت معه" .

                                                                                                                                                                              [ ص: 363 ] وقد احتج من لا يجيز الوضوء بالنبيذ بظاهر قوله: ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) افترض الله الطهارة بالماء، وفرض على من لا يجد الماء من المرضى والمسافرين التيمم بالصعيد؛ فليس يجوز طهارة إلا بالماء، أو الصعيد إذا لم يجد الماء، وجاء الحديث [ عن النبي ] صلى الله عليه وسلم بالدلالة على ذلك.

                                                                                                                                                                              174 - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته، فإن ذلك خير" .

                                                                                                                                                                              [ ص: 364 ]

                                                                                                                                                                              175 - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، نا هوذة بن خليفة، نا عوف، نا أبو رجاء العطاردي، نا عمران بن حصين، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فدعا بوضوء، ثم نودي بالصلاة فصلى بالناس، فانفتل من صلاته، فإذا رجل معتزل لم يصل في القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما منعك يا فلان أن تصلي في القوم؟" فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة، ولا ماء قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" .

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: ولو كانت الطهارة تجزئ بغير الماء لأشبه أن يقول له عند قوله: أصابتني جنابة، ولا ماء: اطلب نبيذ كذا، أو شراب كذا، فدل ظاهر الكتاب والسنة على أن الوضوء لا يجزئ إلا بالماء، فإن لم يجد الماء فالتيمم.

                                                                                                                                                                              [ ص: 365 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية