الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر اختلاف أهل العلم في الطهارة بالماء المستعمل في الوضوء والاغتسال

                                                                                                                                                                              اختلف أهل العلم في الوضوء والاغتسال بالماء المستعمل، فقالت طائفة: لا يجوز الوضوء به، كان مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي: لا يرون الوضوء بالماء الذي توضئ به.

                                                                                                                                                                              [ ص: 396 ] واختلف فيه عن سفيان، فحكى عنه [ الفاريابي ] أنه قال كقول هؤلاء.

                                                                                                                                                                              وحكي عن الأشجعي أنه قال: إذا نسيت أن تمسح برأسك وقد توضأت وفي لحيتك بلل، [ أجزأك ] أن تمسح مما في لحيتك أو يدك، وأن تأخذ ماء لرأسك أحب إلي.

                                                                                                                                                                              وقال أحمد في جنب اغتسل في بئر فيها من الماء أقل من قلتين، قال: لا يجزئه، قد أنجس ذلك الماء.

                                                                                                                                                                              وقالت طائفة: لا بأس بالوضوء بالماء المستعمل؛ لأنه ماء طاهر، وليس مع من أبطل الطهارة بهذا الماء حجة، وليس لأحد أن يتيمم وهو يجد الماء.

                                                                                                                                                                              واحتج بعض من يقول بهذا القول بأخبار رويت عن علي، وابن عمر، وأبي أمامة فيمن نسي مسح رأسه أو وجد بللا في لحيته، أجزأه أن يمسح رأسه بذلك البلل.

                                                                                                                                                                              194 - حدثنا موسى بن هارون، نا طالوت بن عباد، نا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس، عن علي - فيما يحسب حماد - [ ص: 397 ] وقيس، عن عطاء، أنهما قالا في الذي ينسى أن يمسح برأسه حتى صلى قال: "إن وجد في لحيته بللا فليأخذ برأسه، ويستقبل الصلاة" .

                                                                                                                                                                              195 - وحدثونا عن أبي زرعة، نا إبراهيم بن موسى، نا الوليد، نا أبو شيبة، ويحيى بن عبد الرحمن، عن ابن أنعم، عن ابن عمر، قال: "من نسي مسح رأسه، فليمسح بفضل لحيته" .

                                                                                                                                                                              196 - وحدثت عن أبي زرعة، نا عبد السلام بن مطهر، نا جعفر بن سليمان، عن أبي غالب - أظنه عن أبي أمامة - ، قال: "إن نسي الرجل أن يمسح برأسه، حتى يدخل الصلاة، فوجد في لحيته بللا، فليأخذ من لحيته، فليمسح رأسه" .

                                                                                                                                                                              وكذلك قال عطاء، والحسن، والنخعي، ومكحول، والزهري، وهذا من قولهم يدل على طهارة الماء المستعمل وعلى استعمال الماء المستعمل.

                                                                                                                                                                              وكان أبو ثور يقول: إذا توضأ بالماء المستعمل الذي توضأ به؛ أجزأه، إذا كان نظيفا.

                                                                                                                                                                              [ ص: 398 ] قال أبو بكر: ومن حجة من يرى الوضوء بالماء المستعمل، قوله جل ذكره: ( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ) ، قال: فلا يجوز لأحد أن يتيمم وماء طاهر موجود، وهذا يلزم من أوجب القول بظاهر الكتاب وترك الخروج عن ظاهره، واحتج في إثبات الطهارة للماء المستعمل بحديث جابر.

                                                                                                                                                                              197 - حدثنا محمد بن إسماعيل، نا عفان، نا شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصب علي [ من ] وضوئه.

                                                                                                                                                                              قال: فهذا الحديث يدل على طهارة [ الماء ] المتوضئ به.

                                                                                                                                                                              198 - حدثنا يحيى بن محمد، نا مسدد، نا عبد الله بن داود، عن الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه من فضل ماء كان في يده، فبدأ بمؤخر رأسه إلى مقدمه، ثم جره إلى مؤخره.

                                                                                                                                                                              [ ص: 399 ] قال أبو بكر: فدل هذا الحديث على مثل ما دل عليه الحديث الأول، فأجمع أهل العلم على أن الرجل المحدث الذي لا نجاسة على أعضائه، لو صب ماءا على وجهه أو ذراعيه، فسال ذلك عليه وعلى ثيابه، أنه طاهر، وذلك أن ماء طاهرا لاقى بدنا طاهرا، وكذلك في باب الوضوء ماء طاهر لاقى بدنا طاهرا، وإذا ثبت أن الماء المتوضأ به طاهر، وجب أن يتطهر به من لا يجد السبيل إلى ماء غيره، ولا يتيمم وماء طاهر موجود؛ لأن في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك" .

                                                                                                                                                                              فأوجب الله تعالى في كتابه، وعلى لسان نبيه عليه السلام الوضوء بالماء والاغتسال به على كل من كان واجدا له ليس بمريض.

                                                                                                                                                                              وفي إجماع أهل العلم أن الندى الباقي على أعضاء المتوضئ والمغتسل، وما قطر منه على ثيابهما طاهر، دليل على طهارة الماء المستعمل، وإذا كان طاهرا فلا معنى لمنع الوضوء به بغير حجة يرجع إليها من خالف هذا القول.

                                                                                                                                                                              فأما قول من قال: إذا اغتسل بالماء الذي غسل به وجهه ويديه، كأنه لم يسو بينهما، فإن جواب ذلك أن يقال له: بل قد سوى بينهما؛ لأنه [ ص: 400 ] غسل وجهه بماء طاهر، وغسل يديه أيضا كذلك بماء طاهر، وإذا أجاز من يخالفنا أن يستعمل الماء المستعمل في ظاهر الذراع في باطن الذراع؛ جاز كذلك أن يستعمل في سائر الأعضاء.

                                                                                                                                                                              وقد روينا عن ابن عمر أنه كان ينتضح في إنائه من وضوئه، وكان النخعي وغير واحد من التابعين لايرون بذلك بأسا.

                                                                                                                                                                              وهو قول الزهري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وكل هذا يدخل على من أفسد الماء المستعمل إذا كان أقل من خمس قرب باختلاط الماء المستعمل به، [ و ] في اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة من إناء واحد دليل على إغفال قائل هذا القول.

                                                                                                                                                                              فأما اعتلال من اعتل بأن هذا قد أدى به الفرض مرة، فكأنه قد أعاب بعض قوله ودعواه الذي لو كان جعل مكانه حجة يدلي بها، كان أحسن، مع أن قائل هذا القول يجيز أن يصلي في ثوب قد أدى به الفرض مرة، ويجيز أن يرمي بحصا قد رمى به مرة، ويقطع سارق في ثوب واحد قد سرقه مرة فقطعت يده، ثم سرقه ثانيا، فوجب قطع رجله، منكرا على الكوفي حيث زعم أنه لا يقطع فيه إلا مرة واحدة.

                                                                                                                                                                              [ ص: 401 ]

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية