الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                              ذكر الوضوء من الضحك في الصلاة

                                                                                                                                                                              أجمع أهل العلم على أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض طهارة، ولا يوجب وضوءا، وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة ينقض الصلاة.

                                                                                                                                                                              واختلفوا في نقض طهارة من ضحك في الصلاة، فأوجبت طائفة عليه الوضوء، وممن روي ذلك عنه: الحسن، والنخعي، وبه قال: الثوري، وأصحاب الرأي، واحتج محتج بحديث منقطع لا يثبت.

                                                                                                                                                                              130 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أنا عبد الله بن بكر، ثنا هشام، عن حفصة، عن أبي العالية؛ أن رجلا ضرير البصر جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، فتردى في حفرة في المسجد فضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة.

                                                                                                                                                                              [ ص: 331 ] وقالت طائفة: ليس على من ضحك في الصلاة وضوء، روي هذا القول عن: جابر بن عبد الله، وأبي موسى الأشعري، والقاسم، وعطاء، والزهري، وعروة.

                                                                                                                                                                              وروي ذلك عن: مكحول، ويحيى بن أبي كثير، وبه قال: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وكان الأوزاعي يقول كقولهم، ثم رجع بعد ذلك فقال كما قال الثوري.

                                                                                                                                                                              131 - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: يعيد الصلاة ولا يعيد [ ص: 332 ] الوضوء.

                                                                                                                                                                              132 - حدثنا محمد، نا سعيد، نا هشيم، أنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، قال: صلى أبو موسى بأصحابه، فرأوا شيئا فضحكوا منه، فقال أبو موسى حيث انصرف من صلاته: من كان ضحك [ منكم ] فليعد الصلاة.

                                                                                                                                                                              قال أبو بكر: إذا تطهر المرء فهو على طهارته، [ ولا يجوز نقض طهارة مجمع عليها، إلا بسنة أو إجماع، أو حجة مع من نقض طهارته ] لما ضحك في الصلاة، وحديث أبي العالية مرسل، والمرسل من الحديث لا تقوم به الحجة.

                                                                                                                                                                              وإذا كانت الأحداث التي لا اختلاف فيها مثل: الغائط، والبول، والنوم، وخروج المذي، والريح، تنقض الطهارة في الصلاة؛ وفي غير الصلاة؛ فالضحك لا يخلو في نفسه أن يكون حدثا كسائر الأحداث، فاللازم لمن جعل ذلك حدثا أن ينقض طهارة المرء إذا ضحك في الصلاة وفي غير الصلاة، أو لا يكون حدثا؛ فغير جائز إيجاب الطهارة منه، فأما [ ص: 333 ] أن يجعله مرة حدثا، ومرة ليس بحدث، فذلك تحكم من فاعله.

                                                                                                                                                                              ومن قول أصحاب الرأي: أن المحدث في صلاته يتوضأ ويبني عليها، ولا تفسد صلاته، ومن تكلم في الصلاة، بطلت صلاته، وعليه أن [ يستقبلها ].

                                                                                                                                                                              وأوجبوا على الضاحك في الصلاة حكما ثالثا: جعلوا عليه إعادة الوضوء، وإعادة الصلاة، فلا هم جعلوه كحكم [ الكلام ] الذي هو به أشبه، ولا كحكم سائر الأحداث التي من أصابه ذلك بنى إذا تطهر على صلاته.

                                                                                                                                                                              وقالوا: إذا جلس في آخر صلاته مقدار التشهد من قبل أن يسلم، ثم ضحك من قبل أن يسلم، فقد تمت صلاته هذه، وعليه أن يتوضأ لصلاة أخرى.

                                                                                                                                                                              وليس يخلو الضاحك في (هذه) الحال أن يكون في صلاة، فعليه أن يعيدها، أو لا يكون في صلاة، فلا وضوء عليه في مذهبهم، فأما أن يكون في صلاة وعليه أن يتوضأ وليس في صلاة؛ لأنه لا إعادة عليه، فهذا غير معقول.

                                                                                                                                                                              وقد أجمع أهل العلم [ على ] أن من قذف في صلاته، فلا وضوء [ ص: 334 ] عليه، فجعلوا حكم الضحك أعظم من حكم القذف، [ و ] لا يجوز أن يوصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين وصفهم الله في كتابه بالرحمة فقال: ( رحماء بينهم ) وخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن خير الناس القرن الذي هو فيهم، بأنهم ضحكوا بين يدي الله تعالى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاتهم، ولو وصفوهم بضد ما وصفوهم به كان أولى بهم. والله أعلم.

                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية