الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        [ ص: 344 ] وينقسم التصرف بالوقف إلى ثلاثة أقسام:

        القسم الأول: تصرف مأذون فيه، وهذا متفق على جوازه، وذلك مثل التصرفات التي تؤدي الهدف المراد من الوقف، كتأجير المتاجر التجارية الموقوفة على جهة خيرية من أجل صرف ريعها على ما وقفت عليه، وكعمارة الوقف المتهدم، وترميم المسجد للصلاة فيه، ونحو ذلك من التصرفات التي تصب في صلب مصلحة الوقف والموقوف عليه.

        القسم الثاني: قسم غير مأذون فيه إطلاقا، وهذا النوع من التصرفات يشمل أنواعا متعددة.

        فمنها: ما هو ممنوع بنص الشارع، كتحويل المسجد إلى كنيسة، أو معبد للأوثان; لأن الله لن يقول: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ، وقال سبحانه: ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، وهذا فيه تعاون على الإثم والعدوان.

        ومنها: ما هو ممنوع بسبب نص الواقف، كأن ينص الواقف على عدم زراعة الأرض، أو يمنع من تأجير العمارة، ويأمر بإسكان المحتاجين فيها فقط.

        ومنها: ما هو ممنوع ليس بنص الشارع، ولا بنص الواقف، ولكن منع [ ص: 345 ] لمصلحة الوقف نفسه، كأن يقوم بإعارة الموقوف، أو التبرع به أو بذله للغير على وجه السلفة والقرض بلا مبرر يقتضي جواز ذلك.

        القسم الثالث: ما كان جائزا لسبب:

        كمصلحة الوقف نفسه، كإبدال الوقف الذي تعطلت منافعه ونقله إلى موقع آخر أفضل منه، وبيع الوقف لشراء آخر أفضل منه في مكان عامر بالسكان، وهكذا.

        أو كان هذا التصرف حتمية لمصلحة عامة كفتح طريق لينفس على المسلمين، أو لتوسعة مسجد أو نحو هذا.

        [ ص: 346 ] [ ص: 347 ] الفصل الأول: التصرف المأذون فيه شرعا

        وفيه مباحث:

        المبحث الأول: عمارة الوقف.

        المبحث الثاني: إجارة الوقف.

        المبحث الثالث: الشفعة للوقف وعليه.

        المبحث الرابع: تزويج الأمة الموقوفة.

        المبحث الخامس: زكاة غلة الأموال الموقوفة.

        [ ص: 348 ] [ ص: 349 ] المبحث الأول: عمارة الوقف

        وفيه مطالب:

        المطلب الأول: قسما عمارة الوقف

        عمارة الوقف تنقسم إلى قسمين:

        القسم الأول: العمارة المعنوية:

        ويراد بها: قيام شعائره، كالصرف على مدرس المدرسة، وإمام المسجد، ونحو ذلك.

        قال ابن عابدين: «إن انتهت عمارة الوقف وفضل من الغلة شيء، يبدأ بما هو أقرب للعمارة، وهي عمارته المعنوية التي هي قيام شعائره، قال في الحاوي القدسي: والذي يبدأ به من ارتفاع الوقف - أي: من غلته - عمارته شرط الواقف أو لا، ثم ما هو أقرب إلى العمارة وأعم للمصلحة، كالإمام للمسجد، والمدرس للمدرسة، يصرف إليهم إلى قدر كفايتهم، ثم السراج والبساط كذلك، إلى آخر المصالح، هذا إذا لم يكن معينا، فإن كان الوقف معينا على شيء يصرف إليه بعد عمارة البناء» .

        [ ص: 350 ] ونقل النووي من الشافعية عن صاحب العدة: «أنه يجوز دفع أجرة القيم مما وقف على العمارة، ولا يجوز صرف شيء منه إلى الإمام والمؤذن، قال: والفرق: أن القيم يحفظ العمارة، ونقل عن البغوي أنه لا يشترى الدهن والحصر مما وقف على عمارة المسجد» .

        والدليل على ذلك: ما تقدم من أدلة الوقف.

        وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على أن حكمة الوقف وغايته حصول الثواب، ودوامه، وهذا يحصل بعمارة الوقف المعنوية والحسية.

        القسم الثاني: العمارة الحسية:

        كل ما فيه بقاء العين الموقوفة من بناء، أو هدم ما يحتاج إلى هدم، وتغيير متعيب، ونحو ذلك.

        حكمها: حكم العمارة الحسية الوجوب باتفاق الأئمة.

        والدليل على ذلك:

        1 - قوله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ، فنهى الله عز وجل عن إيتاء السفهاء المال; لما في ذلك من إضاعة المال، فدل ذلك على النهي عن إضاعة المال، ومن ذلك ترك عمارة الوقف.

        2 - حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» ، وترك عمارة الوقف من إضاعة المال.

        [ ص: 351 ] 3 - ما تقدم من الأدلة على أن الوقف يراد به الدوام والاستمرار.

        وجه الدلالة: أن ترك عمارة الوقف يؤدي إلى انقطاعه وعدم دوامه.

        * * *

        التالي السابق


        الخدمات العلمية