الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        دليل القول الرابع: (عدم لزوم الوقف) :

        استدل أصحاب هذا القول بما يلي:

        1 - ما روي عن ابن عباس بما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت آية الفرائض: «لا حبس عن فرائض الله» .

        وجه الدلالة: أن القول بلزوم الوقف حبس للمال عن الورثة، ومنعهم من أخذ فرائضهم التي فرضها الله لهم.

        ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:

        الأول: أن الحديث ضعيف لا يثبت.

        الثاني: على فرض ثبوته فالمراد منع المال عن الوارث كما كان في الجاهلية يورثون المحاربين، ويحرمون الإناث والصغار. [ ص: 36 ] 2 - ما جاء عن ابن شهاب (الزهري) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم - أو نحو هذا - لرددتها» .

        قال الطحاوي: «فلما قال عمر رضي الله عنه هذا دل ذلك أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها، وأنه إنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره فيها بشيء وفارقه على الوفاء به فكره أن يرجع عن ذلك، كما كره عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن يرجع بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم الذي كان فارقه عليه أن يفعله، وقد كان له أن لا يصوم» .

        ونوقش هذا الدليل من وجوه:

        أحدها: أن هذا الخبر عن عمر رضي الله عنه منقطع; لأن ابن شهاب لم يدرك عمر.

        الثاني: أنه يبعد جدا أن يكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه ندم على قبوله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما اختاره له في تحبيس أرضه، وتسبيل ثمرتها، كيف وهو الذي جاء يستشير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرها، والله سبحانه وتعالى يقول:وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ، فحاشا لعمر رضي الله عنه أن يوصف بهذا.

        الثالث: أنه لو فرض صحة هذا الخبر الوارد عن عمر رضي الله عنه، وأن عمر رضي الله عنه ندم على وقفه، وأراد رده لولا كراهته الرجوع عن شيء فارق الرسول صلى الله عليه وسلم، لو فرض كل هذا فإنه لا تقوم به حجة; لأن قول الصحابي لا تقوم به [ ص: 37 ] حجة إذا خالف النص الصحيح الصريح، كقوله: تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق من ثمره» .

        3 - ما روي عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه - صاحب الأذان - : «أنه جعل حائطه صدقة، وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أبواه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، ثم ماتا، فورثه ابنهما بعدهما» .

        ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:

        الأول: أن هذا الحديث بالإضافة إلى ما قيل فيه قد ورد في بعض طرقه ما يعارض دليلهم،

        (192) فقد أخرج الطبراني من طريق إسحاق بن أبي فروة، عن عثمان بن عبد الرحمن، وعبد الملك بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله مالي كله صدقة، قال: فافتقر أبواه حتى جلسا مع الأوفاض، ثم جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله كان ابننا من أكثر الأنصار مالا فتصدق بماله وافتقرنا حتى جلسنا مع الأوفاض، قال: «صدقة ابنكما رد عليكما» [ ص: 38 ] ثم توفيا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابنهما: أن اردد الصدقة، فإن الصدقة لا تورث ولا تعمر.

        وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبح الرجوع في الصدقة ولا عن طريق الميراث.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذه الرواية ضعيفة لا تقوى على مقابلة الروايات السابقة.

        الوجه الثاني: أنه إن ثبت هذا الحديث، فقد ورد فيه أنه لم يكن لهم عيش إلا عيش هذا الحائط، وفي بعض الروايات: «أنه قوام عيشهم» فليس لأحد أن يتصدق بقوام عيشه، بل هو مفسوخ إن فعله، فهذا الحديث يستدل به على رد تصرف من تصدق بجميع ماله، فهو نظير بيع المدبر، ورد الرسول صلى الله عليه وسلم صدقة كعب بن مالك رضي الله عنه.

        الوجه الثالث: أن هذا الحديث - إن ثبت - فليس فيه ذكر الوقف، والظاهر أنه جعله صدقة غير موقوفة استناب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى والديه أحق الناس بصرفها إليهما، ولهذا لم يردها إليه إنما دفعها إليهما.

        الوجه الرابع: أن هذا الحديث - إن ثبت - فإنه يحتمل أن الحائط الذي تصرف فيه عبد الله بن زيد كان لأبويه، وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة عنهما، فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما فلم ينفذاه، وأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فرده [ ص: 39 ] إليهما، ولهذا جاء عند الدارقطني قالا للرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنها كانت قيم وجوهنا ولم يكن لنا مال غيره، والله أعلم.

        4 - ما روى البخاري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، لا أعلمه إلا عن أنس رضي الله عنه، وفيه: «أن حسان بن ثابت رضي الله عنه باع حصته من وقف أبي طلحة من معاوية» .

        قال الكرماني: «فإن قيل: كيف جاز بيع الوقف؟ قلت: التصدق على المعين تمليك له» .

        ونوقش هذا الدليل: أن قول الكرماني يصادم قوله: «حبس الأصل»، وذلك أنه إذا بيع لم يكن محبسا، وأي معنى للتحبيس إذا جاز بيعه، ولذلك قال العيني مشيرا إلى قول الكرماني السابق: «فيه نظر لا يخفى» .

        أما الجواب عن بيع حسان: فإن هذا فعل صحابي لم يوافقه عليه الصحابة، وفي الحديث السابق في البخاري فقيل: تبيع صدقة أبي طلحة؟» ، وقول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر ليس بحجة، هذا بالإضافة إلى أنه خالف نصا صحيحا صريحا عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقول الصحابي إذا خالف النص لا تقوم به حجة، وقد خالف النص.

        5 - القياس: حيث قاسوا الوقف على العارية فأجازوا الرجوع في [ ص: 40 ] الوقف، كما أن الرجوع في العارية جائز بجامع أن في كل منهما تصرف المنفعة إلى الجهة المقصود نفعها مع بقاء العين على ملك الواقف والمعير.

        ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:

        الوجه الأول: أنه قياس مع الفارق فلا يعتد به، فإنه في الوقف يجوز أن تكون العين في يد الواقف إذا وقف على نفسه أو جعل النظارة لنفسه، بينما في العارية لابد من تسليم العين إلى المستعير ليستفيد من منفعتها، وكذا لو أخرج الوقف من يده إلى ناظر غير الموقف عليه، فإنه يكون قد أخرج الوقف لشخص ليس هو المستوفي لمنافعه، بينما في العارية إنما تخرج العين إلى من يستوفي منافعها.

        الوجه الثاني: أنه قياس فاسد، فلا يحتج به; لأنه في مقابل نص صحيح صريح، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس علمنا - قطعا - أنه قياس فاسد» .

        وقال في موضع آخر: «تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثا صحيحا» .

        6 - ما روي عن شريح أنه قال: «جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق الحبس» .

        وجه الدلالة: أن الحبس: جمع حبيس، وهو المال المحبوس، وكانوا في الجاهلية يحبسون بعض الأموال ويمنعون التصرف فيها، فجاء رسول الله [ ص: 41 ] صلى الله عليه وسلم بإجازة بيعها، فالقول بلزوم الوقف يلزم عليه مشروعية الحبس التي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنهائها.

        ونوقش هذا الاستدلال: بأن المراد بقول شريح ما كان يحبسه أهل الجاهلية من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي مما حرمه الله ونهى عنه سبحانه في قوله: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون .7 - أن الملك باق في العين الموقوفة بدليل أنه يجوز الانتفاع بها زراعة وسكنى وغير ذلك، وأنه لا يمكن أن يزال الملك لا إلى مالك; لأنه غير مشروع مع بقاء العين كالسائبة فتعين أن تكون إلى مالك، وهذا المالك إما أن يكون الواقف أو غيره، قال الكمال: «واتفقنا على أنه لا يكون ملكا لغيره من العباد فوجب أن يكون ملكا للواقف، فلا تخرج العين عن ملكه، وعدم الخروج ملزوم لعدم لزومه صدقة أو برا» .

        ونوقش هذا الدليل: أنا لا نوافقهم أن العين الموقوفة لا تخرج عن ملك واقفها، بل الصحيح أنها تخرج عن ملكه; لأنه إذا وقفها فقد تصدق بأصلها; لما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: «تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره» .

        وحتى لو صح أن العين الموقوفة لا تخرج عن ملك واقفها، فإن عدم الخروج لا يستلزم عدم اللزوم، بل هما منفكان، كما في أم الولد، فإنها باقية تحت ملكه ولا يستطيع التصرف فيها ببيع أو هبة أو نحوها.

        [ ص: 42 ] 8 - قياس الوقف على العارية، فأجازوا الرجوع في الوقف، كما أن الرجوع جائز في العارية بجامع أن في كل منهما تصرف المنفعة إلى الجهة المقصود نفعها مع بقاء العين على ملك الواقف والمعير.

        نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:

        الأول: أنه قياس مع الفارق; فإنه في الوقف يجوز أن تكون العين في يد الواقف إذا وقف على نفسه أو جعل النظارة لنفسه، بينما في العارية لا بد من تسليم العين إلى المستعير ليستفيد من منفعتها، وكذا لو أخرج الوقف من يده إلى ناظر غير الموقف عليه، فإنه يكون قد أخرج الوقف لشخص ليس هو المستوفي لمنافعه، بينما في العارية إنما تخرج العين إلى من يستوفي منافعها.

        الثاني: أنه قياس فاسد فلا يحتج به; لأنه في مقابل نص صحيح صريح، كما سيأتي في أدلة القائلين باللزوم.

        الثالث: أن العارية قبل الحكم وبعد الحكم سواء، فواجب أن يكون الوقف بعد الحكم وقبله سواء أيضا.

        9 - أن الوقف يلزم إذا أضافه إلى ما بعد الموت; لأنه أخرجه مخرج الوصية.

        10 - أن الوقف يلزم إذا حكم به حاكم; لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف.

        الترجيح:

        الراجح - والله أعلم - لزوم الوقف; لقوة دليله، ولأنه شيء أخرجه الله لك فلا يجوز الرجوع فيه.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية