الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المسألة الثانية: جهة الإنفاق إذا كان الوقف على جهة عامة:

        إذا كان الوقف على جهة عامة كالمساجد، والمدارس، والثغور، والآبار، ونحو ذلك، فاحتاجت إلى عمارة، فاختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جهة عمارة هذه الأوقاف على قولين:

        القول الأول: وجوب عمارتها من الغلة، فإن لم يمكن فمن بيت المال.

        وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية.

        ونص المالكية: أنه إذا وجد متطوع قدم على بيت المال.

        القول الثاني: أنه تجب عمارتها في بيت المال، فإن تعذر فمن غلته، فإن تعذر بيع.

        وهو مذهب الحنابلة.

        الأدلة:

        أدلة الرأي الأول:

        (244) 1 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا رجل واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته ، فوقصته أو قال : فأقعصته ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين أو قال : ثوبيه» .

        [ ص: 357 ] فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المؤنة في مال المتوفى، فكذا عمارة الوقف إذا كان له غلة.

        2 - حديث سهل بن أبي حثمة: «أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه : أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر، من جهد أصابهم، فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير أو عين، فأتى يهود فقال : أنتم والله قتلتموه، قالوا: ما قتلناه والله ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب» ، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم به، فكتبوا : ما قتلناه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن : «أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟» ، قالوا: لا، قال: «أفتحلف لكم يهود؟» ، قالوا : ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده مائة ناقة حتى أدخلت الدار، قال سهل : فركضتني منها ناقة» .

        فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية في بيت المال، فكذا عمارة الوقف; إذ كل من المصالح.

        3 - حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخراج بالضمان» .

        وجه الدلالة: دل الحديث على أن من له خراج شيء أي: غلته، فعليه ضمانه، ومن ذلك عمارته.

        4 - أنه إذا لم يكن غلة فمن بيت المال; لأن مصرف بيت المال المصالح.

        5 - ولأنه من حاجة المسلمين، فكان من بيت المال.

        [ ص: 358 ] دليل القول الثاني: (تجب العمارة في بيت المال، فإن تعذر فمن غلته) :

        استدل لهذا الرأي: بما تقدم من الدليل الثاني والثالث للرأي الأول.

        ونوقش: بالتسليم، لكن إن كان له غلة فلما تقدم من دليل الرأي الأول.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية