الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ. ( 53 ) قوله تعالى: ويقول : قرأ أبو عمرو والكوفيون بالواو قبل "يقول"، والباقون بإسقاطها، إلا أن أبا عمرو نصب الفعل بعد الواو، وروى عنه علي بن نصر الرفع كالكوفيين، فتحصل فيه ثلاث قراءات: "يقول" من غير واو، "ويقول" بالواو والنصب، "ويقول" بالواو والرفع. فأما قراءة من قرأ: "يقول" من غير واو، فهي جملة مستأنفة سيقت جوابا لسؤال مقدر، كأنه لما تقدم قوله تعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح إلى قوله: نادمين ، سأل سائل فقال: ماذا قال المؤمنون حينئذ ؟ فأجيب بقوله تعالى: ويقول الذين آمنوا إلى آخره، وهو واضح، والواو ساقطة في مصاحف مكة والمدينة والشام، والقارئ بذلك هو صاحب هذه المصاحف، فإن القارئين بذلك ابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، ونافع المدني؛ فقراءتهم موافقة لمصاحفهم، وليس في هذا [ ص: 302 ] أنهم إنما قرؤوا كذلك لأجل المصحف فقط، بل وافقت روايتهم مصاحفهم على ما بينته غير مرة.

                                                                                                                                                                                                                                      وأما قراءة الواو والرفع فواضحة أيضا؛ لأنها جملة ابتدئ بالإخبار بها، فالواو استئنافية لمجرد عطف جملة على جملة، فالواو ثابتة في مصاحف الكوفة والمشرق، والقارئ بذلك هو صاحب هذا المصحف، والكلام كما تقدم أيضا. وأما قراءة أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فضل نظر، واختلف الناس في ذلك على ثلاثة أوجه، أحدها: أنه منصوب عطفا على "فيصحبوا" على أحد الوجهين المذكورين في نصب "فيصبحوا"، وهو الوجه الثاني، أعني: كونه منصوبا بإضمار "أن" في جواب الترجي بعد الفاء؛ إجراء للترجي مجرى التمني، وفيه خلاف مشهور بين البصريين والكوفيين، فالبصريون يمنعونه، والكوفيون يجيزونه مستدلين على ذلك بقراءة نافع: "لعله يزكى أو يذكر فتنفعه" بنصب "تنفعه"، وبقراءة عاصم في رواية حفص: "لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع" بنصب "فأطلع"، وسيأتي الجواب عن الآيتين الكريمتين في موضعه. وهذا الوجه - أعني: عطف "ويقول" على "فيصبحوا" - قاله الفارسي وتبعه جماعة، ونقله عنه أبو محمد بن عطية، وذكره أبو عمرو بن الحاجب أيضا، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بعد ذكره الوجه المتقدم: وهذا وجه جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب، ولم أره لغيره، وذكروا وجوها كلها بعيدة متعسفة. انتهى. قلت: وهذا - كما رأيت - [ ص: 303 ] منقول مشهور عن أبي علي الفارسي، وأما استجادته هذا الوجه فإنما يتمشى على قول الكوفيين، وهو مرجوح كما تقرر في علم النحو.

                                                                                                                                                                                                                                      الثاني: أنه منصوب عطفا على المصدر قبله وهو الفتح، كأنه قيل: فعسى الله أن يأتي بالفتح وبأن يقول؛ أي: وبقول الذين آمنوا، وهذا الوجه ذكره أبو جعفر النحاس، ونظروه بقول الشاعر:


                                                                                                                                                                                                                                      1743 - للبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف



                                                                                                                                                                                                                                      وقول الآخر:


                                                                                                                                                                                                                                      1744 - لقد كان في حول ثواء ثويته     تقضي لبانات ويسأم سائم



                                                                                                                                                                                                                                      وهذا مردود من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه يؤدي ذلك إلى الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وذلك أن الفتح على قوله مؤول بـ "أن"، والفعل تقديره: أن يأتي بأن يفتح وبأن يقول، فيقع الفصل بقوله: "فيصبحوا" وهو أجنبي؛ لأنه معطوف على "يأتي". الثاني: أن هذا المصدر - وهو الفتح - ليس يراد به انحلاله لحرف مصدري وفعل، بل المراد به مصدر غير مراد به ذلك، نحو: يعجبني ذكاؤك وعلمك. الثالث: أنه وإن سلم انحلاله لحرف مصدري وفعل، فلا يكون المعنى على: فعسى الله أن يأتي بأن يقول الذين آمنوا، فإنه ناب عنه نبوا ظاهرا.

                                                                                                                                                                                                                                      الثالث - من أوجه نصب "ويقول" -: أنه منصوب عطفا على قوله: [ ص: 304 ] "يأتي"؛ أي: فعسى الله أن يأتي ويقول، وإلى ذلك ذهب الزمخشري ولم يعترض عليه بشيء. وقد رد ذلك بأنه يلزم عطف ما لا يجوز أن يكون خبرا على ما هو خبر، وذلك أن قوله: "أن يأتي" خبر "عسى" وهو صحيح؛ لأن فيه رابطا عائدا على اسم "عسى"، وهو ضمير الباري تعالى، وقوله: "ويقول" ليس فيه ضمير يعود على اسم "عسى"، فكيف يصح جعله خبرا ؟ وقد اعتذر من أجاز ذلك عنه بثلاثة أوجه، أحدها: أنه من باب العطف على المعنى، والمعنى: فعسى أن يأتي الله بالفتح وبقول الذين آمنوا، فتكون "عسى" تامة لإسنادها إلى "أن" وما في حيزها، فلا تحتاج حينئذ إلى رابط، وهذا قريب من قولهم: العطف على التوهم، نحو: فأصدق وأكن من الصالحين . الثاني: أن "أن يأتي" بدل من اسم الله لا خبر، وتكون "عسى" حينئذ تامة، كأنه قيل: فعسى أن يقول الذين آمنوا، وهذان الوجهان منقولان عن أبي علي الفارسي ؟ إلا أن الثاني لا يصح؛ لأنهم نصوا على أن "عسى، واخلولق، وأوشك" من بين سائر أخواتها، يجوز أن تكون تامة بشرط أن يكون مرفوعها "أن يفعل"، قالوا: ليوجد في الصورة مسند ومسند إليه، كما قالوا ذلك في "ظن" وأخواتها: إن "أن، وأن" تسد مسد مفعوليها. والثالث: أن ثم ضميرا محذوفا، هو مصحح لوقوع "ويقول" خبرا عن "عسى"، والتقدير: ويقول الذين آمنوا به؛ أي: بالله، ثم حذف للعلم به، ذكر ذلك أبو البقاء، وقال ابن عطية بعد حكايته نصب "ويقول" عطفا على "يأتي": وعندي في منع "عسى الله أن يقول المؤمنون" نظر؛ إذ الله تعالى يصيرهم يقولون ذلك بنصره وإظهاره دينه. [ ص: 305 ] قلت: قول ابن عطية في ذلك يشبه قول أبي البقاء في كونه قدره ضميرا عائدا على اسم "عسى" يصح به الربط. وبعض الناس يكثر هذه الأوجه ويوصلها إلى سبعة وأكثر، وذلك باعتبار تصحيح كل وجه من الأوجه الثلاثة التي ذكرتها لك، ولكن لا يخرج حاصلها عن ثلاثة، وهو النصب؛ إما عطفا على "أن يأتي"، وإما على "فيصبحوا"، وإما على "بالفتح"، وقد تقدم لك تحقيقها.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: "جهد أيمانهم" في انتصابه وجهان، أظهرهما: أنه مصدر مؤكد ناصبه "أقسموا"، فهو من معناه، والمعنى: أقسموا إقسام اجتهاد في اليمين. والثاني: - أجازه أبو البقاء وغيره - أنه منصوب على الحال، كقولهم: افعل ذلك جهدك؛ أي: مجتهدا، ولا يبالى بتعريفه لفظا، فإنه مؤول بنكرة على ما ذكرته لك، وللنحويين في هذه المسألة أبحاث، والمعنى هنا: أقسموا بالله مجتهدين في أيمانهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: "إنهم لمعكم" هذه الجملة لا محل لها من الإعراب، فإنها تفسير وحكاية لمعنى القسم لا لألفاظهم، إذ لو كانت حكاية لألفاظهم لقيل: إنا معكم، وفيه نظر؛ إذ يجوز لك أن تقول: حلف زيد لأفعلن، أو ليفعلن، فكما جاز أن تقول: ليفعلن، جاز أن يقال: "إنهم لمعكم" على الحكاية.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: "حبطت أعمالهم" فيها أوجه، أحدها: أنها جملة مستأنفة، والمقصود بها الإخبار من الباري تعالى بذلك. الثاني: أنها دعاء عليهم بذلك، وهو قول الله تعالى نحو: قتل الإنسان ما أكفره . الثالث: أنها في محل نصب؛ لأنها من جملة قول المؤمنين، ويحتمل معنيين كالمعنيين في الاستئناف، أعني: كونه إخبارا أو دعاء. الرابع: أنها في محل رفع على أنها خبر المبتدإ وهو "هؤلاء"، وعلى هذا فيحتمل قوله: "الذين أقسموا" وجهين، [ ص: 306 ] أحدهما: أنه صفة لاسم الإشارة، والخبر: "حبطت أعمالهم". والثاني: أن "الذين" خبر أول، و "حبطت" خبر ثان عند من يجيز ذلك. وجعل الزمخشري "حبطت أعمالهم" مفهمة للتعجب. قال: وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم ما أخسرهم، وأجاز مع كونه تعجبا أن يكون من قول المؤمنين، فيكون في محل نصب، وأن يكون من قول الباري تعالى، لكنه أول التعجب في حق الله تعالى بأنه تعجيب، قال: أو من قول الله عز وجل شهادة لهم بحبوط الأعمال وتعجيبا من سوء حالهم. وقرأ أبو واقد والجراح: "حبطت" بفتح الباء، وهما لغتان، وقد تقدم ذلك. وقوله تعالى: "فأصبحوا" وجه التسبب في هذه الفاء ظاهر.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية