الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      آ. ( 95 ) قوله تعالى: وأنتم حرم في محل نصب على الحال من فاعل "تقتلوا"، و "حرم" جمع حرام، وحرام يكون للمحرم وإن كان في الحل، ولمن في الحرم وإن كان حلالا، وهما سيان في النهي عن قتل الصيد، وقد تقدم الكلام على هذه اللفظة. قوله: "منكم" في محل نصب على الحال من فاعل "قتله"؛ أي: كائنا منكم. وقيل: "من" للبيان، وليس بشيء؛ لأن كل من قتل صيدا حكمه كذلك. فإن قلت: هذا وارد أيضا على جعله حالا. قلت: لم يقصد لذلك مفهوم حتى إنه لو قتله غيركم لم يكن عليه جزاء؛ لأنه قصد بالخطاب معنى آخر، وهو المبالغة في النهي عن قتل الصيد.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: "متعمدا" حال أيضا من فاعل "قتله"، فعلى رأي من يجوز تعدد الحال يجيز ذلك هنا، ومن منع يقول: إن "منكم" للبيان حتى لا تتعدد الحال، و "من" يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر، وموصولة، والفاء لشبهها بالشرطية، ولا حاجة إليه وإن كانوا فعلوه في مواضع. قوله: "فجزاء" الفاء جواب الشرط أو زائدة لشبه المبتدإ بالشرط، فعلى الأول الجملة بعدها في محل جزم، وعلى الثاني في محل رفع، وما بعد "من" على الأول في محل [ ص: 418 ] جزم لكونه شرطا، وعلى الثاني لا محل له لكونه صلة. وقرأ أهل الكوفة: "فجزاء مثل" بتنوين جزاء ورفعه ورفع "مثل"، وباقي السبعة برفعه مضافا إلى "مثل"، ومحمد بن مقاتل بتنوين "جزاء" ونصبه ونصب "مثل"، والسلمي برفع "جزاء" منونا ونصب "مثل"، وقرأ عبد الله: "فجزاؤه" برفع "جزاء" مضافا لضمير "مثل" رفعا.

                                                                                                                                                                                                                                      فأما قراءة الكوفيين فلأن "مثل" صفة لـ "جزاء"؛ أي: فعليه جزاء موصوف بكونه "مثل ما قتله"؛ أي: مماثله. وجوز مكي ، وأبو البقاء ، وغيرهما أن يرتفع "مثل" على البدل، وذكر الزجاج وجها غريبا، وهو أن يرتفع "مثل" على أنه خبر لـ "جزاء"، ويكون "جزاء" مبتدأ، قال: والتقدير: فجزاء ذلك الفعل مثل ما قتل. قلت: ويؤيد هذا الوجه قراءة عبد الله: "فجزاؤه مثل"، إلا أن الأحسن أن يقدر ذلك المحذوف ضميرا يعود على المقتول، لا أن يقدره: فجزاء ذلك الفعل. و "مثل" بمعنى: مماثل، قاله جماعة: الزمخشري وغيره، وهو معنى اللفظ، فإنها في قوة اسم فاعل، إلا أن مكيا توهم أن "مثلا" قد يكون بمعنى غير مماثل، فإنه قال: "ومثل" في هذه القراءة - يعني: قراءة الكوفيين - بمعنى مماثل، والتقدير: فجزاء مماثل لما قتل، يعني: في القيمة أو في الخلقة، على اختلاف العلماء، ولو قدرت مثلا على لفظه لصار [ ص: 419 ] المعنى: فعليه جزاء مثل المقتول من الصيد، وإنما يلزمه جزاء المقتول بعينه لا جزاء مثله؛ لأنه إذا ودى جزاء مثل المقتول، صار إنما ودى جزاء ما لم يقتل؛ لأن مثل المقتول لم يقتله، فصح أن المعنى: فعليه جزاء مماثل للمقتول، ولذلك بعدت القراءة بالإضافة عند جماعة. قلت: "مثل" بمعنى مماثل أبدا، فكيف يقول: ولو قدرت مثلا على لفظه ؟ وأيضا فقوله: "لصار المعنى" إلى آخره، هذا الإشكال الذي ذكره لا يتصور مجيئه في هذه القراءة أصلا، وإنما ذكره الناس في قراءة الإضافة كما سيأتي، وكأنه نقل هذا الإشكال من قراءة الإضافة إلى قراءة التنوين. وأما قراءة باقي السبعة فاستبعدها جماعة، قال الواحدي: ولا ينبغي إضافة الجزاء إلى المثل؛ لأن عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، فإنه لا جزاء عليه لما لم يقتله. وقال مكي بعد ما قدمته عنه: ولذلك بعدت القراءة بالإضافة عند جماعة؛ لأنها توجب جزاء مثل الصيد المقتول. قلت: ولا التفات إلى هذا الاستبعاد، فإن أكثر القراء عليها. وقد أجاب الناس عن ذلك بأجوبة سديدة، لما خفيت على أولئك طعنوا في المتواتر، منها: أن "جزاء" مصدر مضاف لمفعوله تخفيفا، والأصل: فعليه جزاء مثل ما قتل؛ أي: أن يجزي مثل ما قتل، ثم أضيف، كما تقول: "عجبت من ضرب زيدا"، ثم "من ضرب زيد"، ذكر ذلك الزمخشري وغيره، وبسط ذلك أن الجزاء هنا بمعنى: القضاء، والأصل: فعليه أن يجزى المقتول من الصيد مثله من النعم، ثم حذف المفعول الأول لدلالة الكلام عليه، وأضيف المصدر إلى ثانيهما، كقولك: "زيد فقير ويعجبني إعطاؤك الدرهم"؛ أي: إعطاؤك إياه. ومنها: أن "مثل" مقحمة، كقولهم: "مثلك لا يفعل ذلك"؛ أي: أنت لا تفعل ذلك، ونحو [ ص: 420 ] قوله تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به ؛ أي: بما آمنتم [ به ]، وكقوله: ليس كمثله شيء ، فـ "مثل" زائدة، وهذا خلاف الأصل، فالجواب ما قدمته. و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد محذوف على كلا التقديرين؛ أي: مثل ما قلته من النعم.

                                                                                                                                                                                                                                      فمن رفع "جزاء" فيه أربعة أوجه، أحدها: أنه مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: فعليه جزاء. والثاني: أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالواجب جزاء. والثالث: أنه فاعل بفعل محذوف؛ أي: فيلزمه أو يجب عليه جزاء. الرابع: أنه مبتدأ وخبره "مثل"، وقد تقدم أن ذلك مذهب أبي إسحاق الزجاج، وتقدم أيضا رفع "مثل" في قراءة الكوفيين على أحد ثلاثة أوجه: النعت والبدل والخبر، حيث قلنا: "جزاء" مبتدأ عند الزجاج.

                                                                                                                                                                                                                                      وأما قراءة: "فجزاؤه مثل"، فظاهرة أيضا. وأما قراءة: "فجزاء مثل" برفع "جزاء" وتنوينه ونصب "مثل"، فعلى إعمال المصدر المنون في مفعوله، وقد تقدم أن قراءة الإضافة منه، وهو نظير قوله تعالى: أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ، وفاعله محذوف؛ أي: فجزاء أحدكم أو القاتل؛ أي: أن يجزى القاتل للصيد. وأما قراءة: "فجزاء مثل" بنصبهما، فجزاء منصوب على المصدر أو على المفعول به، و "مثل" صفته بالاعتبارين، والتقدير: فليجز جزاء مثل، أو فليخرج جزاء، أو فليغرم جزاء مثل.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: "من النعم" فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه صفة لـ "جزاء" مطلقا؛ أي: سواء رفع أم نصب، نون أم لم ينون؛ أي: إن ذلك الجزاء يكون من [ ص: 421 ] جنس النعم، فهذا الوجه لا يمتنع بحال. الثاني: أنه متعلق بنفس "جزاء"؛ لأنه مصدر، إلا أن ذلك لا يجوز إلا في قراءة من أضاف "جزاء" إلى "مثل"، فإنه لا يلزم منه محذور، بخلاف ما إذا نونته وجعلت "مثل" صفته، أو بدلا منه، أو خبرا له، فإن ذلك يمتنع حينئذ؛ لأنك إن جعلته موصوفا بـ "مثل"، كان ذلك ممنوعا من وجهين، أحدهما: أن المصدر الموصوف لا يعمل وهذا قد وصف. والثاني: أنه مصدر، فهو بمنزلة الموصول والمعمول من تمام صلته، وقد تقرر أنه لا يتبع الموصول إلا بعد تمام صلته؛ لئلا يلزم الفصل بأجنبي. وإن جعلته بدلا لزم أن يتبع الموصول قبل تمام صلته، وإن جعلته خبرا لزم الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته، وذلك كله لا يجوز. الثالث: ذكره أبو البقاء ، وهو أن يكون حالا من عائد الموصول المحذوف، فإن التقدير: فجزاء مثل الذي قتله حال كونه من النعم، وهذا وهم؛ لأن الموصوف بكونه من النعم إنما هو جزاء الصيد المقتول، وأما الصيد نفسه فلا يكون من النعم. والجمهور على فتح عين "النعم"، وقرأ الحسن بسكونها، فقال ابن عطية : هي لغة. وقال الزمخشري : استثقل الحركة على حرف الحلق، كما قالوا: "الشعر" في الشعر.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: يحكم به ذوا في موضع رفع صفة لـ "جزاء"، أو في موضع نصب على الحال منه، أو على النعت لـ "جزاء" فيمن نصبه، وخصص أبو البقاء كونه صفة بقراءة تنوين "جزاء"، والحال بقراءة إضافته، ولا فرق، [ ص: 422 ] بل يجوز أن تكون الجملة نعتا أو حالا بالاعتبارين؛ لأنه إذا أضيف إلى "مثل"، فهو باق على تنكيره؛ لأن "مثلا" لا يتعرف بالإضافة، وكذا خصص مكي الوصف بقراءة إضافة الجزاء إلى "مثل"، فإنه قال: ومن النعم في قراءة من أضاف الجزاء إلى "مثل" صفة لجزاء، ويحسن أن تتعلق [ من ] بالمصدر فلا تكون صفة، وإنما المصدر معدى إلى "من النعم"، وإذا جعلته صفة فـ "من" متعلقة بالخبر المحذوف وهو "فعليه". وفي هذا الكلام نظر من وجهين، أحدهما: قد تقدم وهو التخصيص بقراءة الإضافة. والثاني: أنه حين جعل "من النعم" صفة علقها بالخبر المحذوف لما تضمنه من الاستقرار، وليس كذلك؛ لأن الجار إذا وقع صفة تعلق بمحذوف، ذلك المحذوف هو الوصف في الحقيقة، وهذا الذي جعله متعلقا لهذه الصفة ليس صفة للموصوف في الحقيقة، بل هو خبر عنه، ألا ترى أنك لو قلت: "عندي رجل من بني تميم"، أن "من بني" متعلق بوصف محذوف في الحقيقة لا بقولك: "عندي"، ويمكن أن يقال: - وهو بعيد جدا - إنه أراد التعلق المعنوي، وذلك أن العامل في الموصوف عامل في صفته، و "عليه" عامل في "جزاء"، فهو عامل في صفته، فالتعلق من هذه الحيثية، ولكن إنما يتأتى ذلك حيث جعلنا الخبر عاملا في المبتدإ، أو قلنا: إن الجار يرفع الفاعل، ولو لم يعتمد، وإنما أذكر هذه التوجيهات؛ لأن القائلين بذلك ممن لا يلغى قولهم بالكلية.

                                                                                                                                                                                                                                      والألف في "ذوا" علامة الرفع لأنه مثنى، وقد تقدم الكلام في اشتقاق هذه اللفظة وتصاريفها. وقرأ الجمهور: "ذوا" بالألف، وقرأ محمد بن جعفر الصادق: "ذو" بلفظ الإفراد. قالوا: ولا يريد بذلك الوحدة، بل يريد: [ ص: 423 ] يحكم به من هو من أهل العدل. وقال الزمخشري : وقيل: أراد: الإمام، فعلى هذا تكون الوحدة مقصودة. و "منكم" في محل رفع صفة لـ "ذوا"؛ أي: إنهما يكونان من جنسكم في الدين، ولا يجوز أن تكون صفة لـ "عدل"؛ لأنه مصدر، قاله أبو البقاء ، يعني: أن المصدر ليس من جنسهم، فكيف يوصف بكونه منهم ؟

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: "هديا" فيه ستة أوجه، أظهرها: أنه حال من الضمير في "به"، قال الزجاج: وهو منصوب على الحال، المعنى: يحكم به مقدرا أن يهدى، يعني: أنه حال مقدرة لا مقارنة، وكذا قال الفارسي: كقولك: معه صقر صائدا به غدا؛ أي: مقدرا الصيد. الثاني: أنه حال من "جزاء" سواء قرئ مرفوعا أم منصوبا، منونا أم مضافا. وقال الزمخشري : "هديا" حال من "جزاء" فيمن وصفه بمثل؛ لأن الصفة خصصته فقرب من المعرفة، وكذا خصصه الشيخ، وهذا غير واضح، بل الحالية جائزة مطلقا كما تقدم. الثالث: أنه منصوب على المصدر؛ أي: يهديه هديا، ذكره مكي وأبو البقاء . الرابع: أنه منصوب على التمييز، قاله أبو البقاء ومكي ، إلا أن مكيا قال: على البيان، وهو التمييز في المعنى، وكأنهما ظنا أنه تمييز لما أبهم في المثلية؛ إذ ليس هنا شيء يصلح للتمييز غيرها. وفيه نظر من حيث إن التمييز إنما يرفع [ ص: 424 ] الإبهام عن الذوات لا عن الصفات، وهذا كما رأيت إنما رفع إبهاما عن صفة؛ لأن الهدى صفة في المعنى، إذ المراد به: مهدى. الخامس: أنه منصوب على محل "مثل" فيمن خفضه؛ لأن محله النصب بعمل المصدر فيه تقديرا كما تقدم تحريره. السادس: أنه بدل من "جزاء" فيمن نصبه. و "بالغ الكعبة" صفة لـ "هديا"، ولم يتعرف بالإضافة؛ لأنه عامل في الكعبة النصب تقديرا، ومثله: هذا عارض ممطرنا ، وقول الآخر:


                                                                                                                                                                                                                                      1810 - يا رب غابطنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدة منكم وحرمانا



                                                                                                                                                                                                                                      في أن الإضافة فيها غير محضة. وقرأ الأعرج: "هديا" بكسر الدال وتشديد الياء.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: "أو كفارة" عطف على قوله: "فجزاء"، و "أو" هنا للتخيير، ونقل عن ابن عباس أنها ليست للتخيير، بل للترتيب، وهذا على قراءة من رفع "فجزاء"، وأما من نصبه، فقال الزمخشري : "جعلها خبر مبتدأ محذوف" كأنه قيل: أو الواجب عليه كفارة، ويجوز أن تقدر: فعليه أن يجزي جزاء أو كفارة، فتعطف "كفارة" على "أن يجزي"، يعني: أن "عليه" يكون خبرا مقدما، و "أن يجزي" مبتدأ مؤخرا، فعطفت "الكفارة" على هذا المبتدإ. وقرأ نافع وابن عامر بإضافة "كفارة" لما بعدها، والباقون بتنوينها ورفع ما بعدها. [ ص: 425 ] فأما قراءة الجماعة فواضحة، ورفع "طعام" على أحد ثلاثة أوجه، أحدها: أنه بدل من "كفارة"؛ إذ هي من جنسه. الثاني: أنه بيان لها كما تقدم، قاله الفارسي. ورده الشيخ بأن مذهب البصريين اختصاص عطف البيان بالمعارف دون النكرات. قلت: أبو علي يخالف في ذلك ويستدل بأدلة، منها: شجرة مباركة زيتونة ، فـ "زيتونة" عنده عطف بيان لـ "شجرة"، وكذا قوله تعالى: من ماء صديد ، فـ "صديد" عنده بدل من "ماء"، والبدل فيهما محتمل، فلا حجة له، والبدل قد يجيء للبيان. الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي طعام؛ أي: تلك الكفارة. وأما قراءة نافع وابن عامر فوجهها أن الكفارة لما تنوعت إلى تكفير بالطعام، وتكفير بالجزاء المماثل، وتكفير بالصيام، حسن إضافتها لأحد أنواعها تبيينا لذلك، والإضافة تكون بأدنى ملابسه كقوله:


                                                                                                                                                                                                                                      1811 - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة     سهيل أذاعت غزلها في القرائب



                                                                                                                                                                                                                                      أضاف الكوكب إليها لقيامها عند طلوعه، فهذا أولى. ووجهها الزمخشري فقال: "وهذه الإضافة مبينة، كأنه قيل: أو كفارة من طعام مساكين، كقولك: "خاتم فضة" بمعنى من فضة". قال الشيخ: [ ص: 426 ] "أما ما زعمه فليس من هذا الباب؛ لأن "خاتم فضة" من باب إضافة الشيء إلى جنسه، والطعام ليس جنسا للكفارة إلا بتجوز بعيدا جدا" انتهى. قلت: كان من حقه أن يقول: والكفارة ليست جنسا للطعام؛ لأن الكفارة في التركيب نظير "خاتم" في أن كلا منهما هو المضاف إلى ما بعده، فكما أن "خاتما" هو المضاف إلى جنسه ينبغي أن يقال: الكفارة ليست جنسا للطعام لأجل المقابلة، لكن لا يمكن أن يقال ذلك، فإن الكفارة كما تقدم جنس للطعام والجزاء والصوم، فالطريق في الرد على أبي القاسم أن يقال: شرط الإضافة بمعنى "من" أن يضاف جزء إلى كل بشرط صدق اسم الكل على الجزء، نحو: "خاتم فضة"، و "كفارة طعام" ليس كذلك، بل هي إضافة "كل" إلى جزء. وقد استشكل جماعة هذه القراءة من حيث إن الكفارة ليست للطعام، إنما هي لقتل الصيد، كذا قاله أبو علي الفارسي وغيره، وجوابه ما تقدم. ولم يختلف السبعة في جمع "مساكين" هنا وإن اختلفوا في البقرة، قالوا: والفرق بينهما أن قتل الصيد لا يجزئ فيه إطعام مسكين واحد. على أنه قد قرأ عيسى بن عمر والأعرج بتنوين "كفارة" ورفع "طعام مسكين" بالتوحيد، قالوا: ومرادهما بيان الجنس لا التوحيد.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: "أو عدل" نسق على "فجزاء" والجمهور على فتح العين، وقرأ ابن عباس، وطلحة بن مصرف، والجحدري بكسرها، وقد بينت معناهما في أول هذا التصنيف عند قوله تعالى: ولا يؤخذ منها عدل . و "ذلك" إشارة إلى الطعام، وكيفيته مذكورة في "التفسير الكبير". و "صياما" نصب على التمييز لأن المعنى: أو قدر ذلك صياما، فهو كقولك: "لي ملؤه عسلا". وأصل "صياما": "صواما" فأعل لما عرف غير مرة. [ ص: 427 ] قوله: "ليذوق" فيه ستة أوجه، أحدها: أنه متعلق بـ "جزاء"، قاله الزمخشري ، قال الشيخ: إما يتأتى ذلك حيث يضاف إلى "مثل"، أو ينون "جزاء" وينصب "مثل"، وعلل ذلك بأنه إذا رفع مثلا كان صفة للمصدر، وإذا وصف المصدر لم يعمل إلا أن يتقدم المعمول على وصفه، نحو: "يعجبني الضرب زيدا الشديد" فيجوز. قلت: وكذا لو جعله بدلا أيضا أو خبرا لما تقدم من أنه يلزم أن يتبع الموصول، أو يخبر عنه قبل تمام صلته وهو ممنوع، وقد أفهم كلام الشيخ بصريحه أنه على قراءة إضافة الجزاء إلى "مثل" يجوز ما قاله أبو القاسم، وأنا أقول: لا يجوز ذلك أيضا؛ لأن "ليذوق" من تمام صلة المصدر، وقد عطف عليه قوله: "أو كفارة أو عدل"، فيلزم أن يعطف على الموصول قبل تمام صلته، وذلك لا يجوز لو قلت: "جاء الذي ضرب وعمرو زيدا" لم يجز للفصل بين الصلة - أو أبعاضها - والموصول بأجنبي، فتأمله فإنه موضع حسن.

                                                                                                                                                                                                                                      الثاني: أنه متعلق بفعل محذوف يدل عليه قوة الكلام، كأنه قيل: جوزي بذلك ليذوق. الثالث: أنه متعلق بالاستقرار المقدر قبل قوله: "فجزاء"؛ إذ التقدير: فعليه جزاء ليذوق. الرابع: أنه متعلق بـ "صيام"؛ أي: صومه ليذوق. الخامس: أنه متعلق بـ "طعام"؛ أي: طعام ليذوق، ذكره هذه الأوجه الثلاثة أبو البقاء وهي ضعيفة جدا، وأجودها الأول. السادس: أنها تتعلق بـ "عدل ذلك"، نقله الشيخ عن بعض المعربين، قال: - وهو كما قال - "غلط". [ ص: 428 ]

                                                                                                                                                                                                                                      والوبال: سوء العاقبة وما يخاف ضرره، قال الراغب: "والوابل" المطر الثقيل القطر، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وبال، قال تعالى: ذاقوا وبال أمرهم ، ويقال: "طعام وبيل"، و "كلأ وبيل" يخاف وباله، قال تعالى: فأخذناه أخذا وبيلا . وقال غيره: والوبال في اللغة ثقل الشيء في المكروه، يقال: "مرعى وبيل": إذا كان يستوخم، و "ماء وبيل": إذا كان لا يستمرأ، واستوبلت الأرض: كرهتها خوفا من وبالها، والذوق هنا استعارة بليغة.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ومن عاد فينتقم : "من" يجوز أن تكون شرطية، فالفاء جوابها، و "ينتقم" خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فهو ينتقم، ولا يجوز الجزم مع الفاء البتة، ويجوز أن تكون موصولة، ودخلت الفاء في خبر المبتدإ لما أشبه الشرط، فالفاء زائدة، والجملة بعدها خبر، ولا حاجة إلى إضمار مبتدأ بعد الفاء، بخلاف ما تقدم. قال أبو البقاء : "حسن دخول الفاء كون فعل الشرط ماضيا لفظا".

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية